الشيخ محمد رشيد رضا

97

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما اصطفاؤه تعالى لبني هاشم على قريش فقد كان بما امتازوا به من الفضائل والمكارم فقد كان جدهم هاشم هو صاحب إيلاف قريش الذي أخذلهم العهد من قيصر الروم على حمايتهم في رحلة الصيف إلى الشام ، ومن حكومة اليمن في رحلة الشتاء ، وهو أول من هشم الثريد للفقراء من قومه ولأهل موسم الحج كافة ، وقد أربى عليه في السخاء والكرم ولده عبد المطلب ، وجملة القول إن بني هاشم كانوا أكرم قريش أخلاقا وأبعدهم عن الكبر والأثرة ، لا ينازعهم أحد في ذلك ، وقد قال أبو جهل في حسده إياهم على كون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم منهم : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا . . . حتى إذا زاحمناهم بالمناكب قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك هذه ؟ ويؤخذ منه أنهم كانوا يعلمون ان النبوة لا يمكن أن تكون بالاجتهاد والمباراة الكسبية في الفضائل ، وان القرآن لا يمكن أن يعارضه أحد في بلاغته ولا هدايته ، لأنه من اللّه لا من علم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وفصاحته وبلاغته ، ولولا ذلك لعارضه من كانوا أشهر العرب في ذلك ولم يكن محمد منهم وقد ورد في فضل هذه الخاتمة لهذه السورة المباركة ما رواه أبو داود عن أبي الدرداء موقوفا وابن السني عن أبي الدرداء مرفوعا قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من قال حين يصبح وحين يمسي : حسي اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم - سبع مرات - كفاه اللّه ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة » كذا في الدر المنثور ويراجع ما قاله ابن كثير آخر في تفسير السورة فيه ، وهو لا يمنع العمل به ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل ، والحمد للّه رب العالمين ( تم تفسير سورة براءة بفضل اللّه وتوفيقه في شهر صفر سنة خمسين وثلاثمائة والف وبقي تلخيص ما فيها من أصول الدين وأحكامه وحكمه وسياسته وآدابه وسنن اللّه في ذلك ، فنسأله تعالى توفيقنا فيه للحق الذي يرضاه وينفع عباده ) « تفسير القرآن الحكيم » « 13 » « الجزء الحادي عشر »